الشنقيطي

326

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وإرادة الأخ تنبيها على أنّ رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه ؛ كقوله تعالى : وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ البقرة : 84 ] الآية ، أي لا تخرجون إخوانكم ، وقوله : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] أي بإخوانهم على أصحّ التفسيرين ، وقوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ الحجرات : 11 ] الآية ، أي إخوانكم على أصحّ التفسيرين ، وقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ [ البقرة : 188 ] الآية ، أي لا يأكل أحدكم مال أخيه ، إلى غير ذلك من الآيات ؛ ولذلك ثبت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه » « 1 » . ومن الآيات الدالّة على أنّ الرابطة الحقيقيّة هي الدّين ، وأنّ تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبيّة والعصبيّة : قوله تعالى : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [ المجادلة : 22 ] إذ لا رابطة نسبيّة أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر . وقوله : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] الآية ، وقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [ الحجرات : 10 ] وقوله : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . فهذه الآيات وأمثالها تدّل على أنّ النداء برابطة أخر غير الإسلام كالعصبيّة المعروفة بالقوميّة - لا يجوز ، ولا شكّ أنّه ممنوع بإجماع المسلمين . ومن أصرح الأدلّة في ذلك : ما رواه البخاري في صحيحه قال : باب قوله تعالى : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) [ المنافقون : 8 ] حدّثنا الحميديّ ، حدّثنا سفيان قال : حفظناه من عمرو بن دينار قال : سمعت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما يقول : كنّا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ؛ فقال الأنصاريّ : يا للأنصار ! ! وقال المهاجريّ : يا للمهاجرين ! ! فسمّعها اللّه رسوله قال : « ما هذا » ؟ فقالوا : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاريّ : يا للأنصار ، وقال المهاجريّ : يا للمهاجرين ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « دعوها فإنّها منتنة » « 2 » الحديث . فقول هذا الأنصاريّ : يا للأنصار ، وهذا

--> - حديث 66 . ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في الإيمان حديث 13 ، ومسلم في الإيمان حديث 71 ، والترمذي في صفة القيامة حديث 2515 ، والنسائي في الإيمان ، باب علامة الإيمان ، وابن ماجة في الإيمان حديث 66 ، والدارمي في الرقاق 2 / 307 ، وأحمد في المسند 3 / 176 ، 272 ، 278 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4907 .